رغب إلي الصديق الدكتور لبيب قمحاوي في أن أبدي رأيي في مقالة سابقة كان قد دفع بها إليّ . وقد قرأتها آنذاك، لكن فاصلاً زمنياً حال دون أن أطلعه على رأيي في مقالته . وقد حطت على مكتبي مؤخراً مقالته بعنوان: ( الصفقة : الحركات الإسلامية وأمريكا والربيع العربي )، فسارعت إلى قراءتها، ثم أعدت قراءتها ثانية، حيث هالني ما انطوت عليه من تجن على الحركة الإسلامية يصل حدّ التخويف منها، والخشية من وصولها إلى مواقع اتخاذ القرار، وحاولت أن أجد دليلاً على هذه المخاوف، ولاسيما أن الحركة الإسلامية كتاب مفتوح، فهي تتعرض منذ النصف الثاني من القرن الماضي إلى صنوف شتى من الابتلاءات على يد الأنظمة المتحكمة بالشعوب العربية، لم تبق سراً مكتوماً، فلم أجد دليلاً ولا مبرراً. حقاً لم يكن يدور بخلدي أن سياسياً عروبياً مثقفاً يبلغ به سوء الظن بالمشروع الإسلامي وحملته هذا المبلغ .
ولعل عذر الكثيرين من إخواننا العروبيين – على اعتزازهم بعروبتهم، وحرصهم على استعادة مجدها الغابر – أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء الغوص في حقائق الإسلام الذي صاغ وحدتهم التي لولاها لكان العرب أمماً متناحرة متعادية، (( لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ))، ووحد لغتهم، وجعل منها لغة عالمية حوت معارف الأمم السابقة، ولولا القرآن الكريم لما وجد العرب لغة تجمعهم . ونقلتهم من انتماءات ضيقة لا تتجاوز حدود القبيلة إلى حضارة سادت العالم المعروف يوم كان الإسلام موجهاً لهم، ومفجراً لطاقاتهم، وجعلت من رعاة الشاة والإبل رعاة للأمم، وحملة حضارة، ورسل إنسانية.
وشيدوا دولة ساسوا سياستها بشرعة الدين لا تاهوا ولا بطروا
الحق نبراسها والنور منهجها بها سعادة من في ظلها انتشروا
والدكتور لبيب وان استهل مقالته بالتفريق بين المؤامرة والصفقة إلا أنه أغفل أن الإسلاميين، تحكمهم ضوابط شرعية وأخلاقية لا تسمح لهم أن يكونوا طلاباً في مدرسة ميكافيلي ( الغاية تبرر الوسيلة ) الغاية السامية لديهم لا تنال إلا بوسائل لا تقل عنها سمواً ولا نبلاً .
والمقالة تتحدث عن صفقة، طرفاها الحركات الإسلامية والإدارة الأمريكية . والمؤشرات على هذه الصفقة – كما يراها – قوية، ولست أدري أين هي هذه المؤشرات ؟ أهي الكيد العالمي الذي تقوده الإدارة الأمريكية في مواجهة طلائع النهضة الإسلامية على امتداد الكرة الأرضية، أم دعمها الأنظمة الفاسدة والمستبدة، أم تأخير سقوطها على الأقل حتى لا يكون الإسلاميون هم الوريث الشرعي لهذه الأنظمة، أم وصم الإسلاميين بالإرهاب، وسن القوانين التي تحاربهم باسم محاربة الإرهاب، وبعض هذه القوانين كقانون الأدلة السرية لا تنطبق إلا على المسلمين، أم محاربة الإسلاميين في أرزاقهم تحت شعار تجفيف منابع الإرهاب، أم الحرب الضروس على دول وحركات ذات توجهات إسلامية كالسودان وحماس؟!
والمقالة تقسم المجتمعات العربية إلى فسطاطين : فسطاط الإسلاميين ذوي الطروحات السياسية والبرنامج الاجتماعي، والذي لا يروق للأغلبية العربية بل يفزعها !!
وفسطاط معظم العرب الذين لا ينتمون إلى الحركات الإسلامية، والذين لا يقبلون أفكارهم، ومن حقنا كمنتمين لواحدة من الحركات الإسلامية أن نتساءل :
من هم الذين لا يقبلون أفكارها ويرتعبون منها ؟ وما نسبتهم في المجتمع؟ وما هي دوافعهم؟ أو بديلهم الحضاري الذي يبشرون الأمة به؟.
إن الإسلام لا يخفى على أحد فضلاً عن باحث، دين الأغلبية الساحقة في الوطن العربي، دون إنكار على مخالفيهم حقهم في الاحتفاظ بعقائدهم، والتمتع بسائر حقوق المواطنة، وشراكتهم في بناء حضارة الأمة . إن الذين يدينون بالإسلام وشركائهم في المواطنة والحضارة والمصير لا يخافون الأفكار الإسلامية، ولا يرتعبون منها لأنهم يدركون أنهم بهذه الأفكار أو إن شئت بالمشروع صاروا أمّة، بل خير أمّة أخرجت للناس، وبغيرها كانوا يتسولون على موائد المستكبرين، وحين أقصي هذا المشروع عن حياتهم عادوا سيرتهم الأولى .
إن الذين ترعبهم الأفكار الإسلامية، والبرامج الإسلامية، هم الذين ربوا على عين أعداء الأمة، وأشربوا ثقافتها، وتبنوا مناهجها، لأن أعداء الأمة يدركون أن الإسلام بمفهومه الشامل عقيدة وعبادة وشريعة ونظام حياة، هو الذي يحول دون هيمنتهم على العرب ومقدراتهم، إن الفريق الآخر الذي يضيق ذرعاً بالإسلام والمشروع الإسلامي، هو المنغمس في الفساد، الذي يرى في البرنامج الإسلامي والمشروع الإسلامي نهاية لولوغه في دماء الناس وأعراضهم، وامتصاصه لخيرات البلاد ومقدراتها. وباستثناء هذين الفريقين فالأغلبية منحازة إلى المشروع الإسلامي والبرنامج الإسلامي، وهذا ما أكدته الاستفتاءات والانتخابات التي نالت حظاً من النزاهة حتى في الأقطار التي تخلصت حديثاً من عهود الفساد والاستبداد . وما الاستفتاء الذي شهدته مصر على الدستور، والانتخابات التي جرت في تونس مؤخراً للهيئة التأسيسية إلا شاهداً حياً على ما نقول . ولعل هذه النتائج والمؤشرات التي تلوح في الأفق هي التي حملت الكثيرين ممن رحبوا بالربيع العربي ابتداء على الانقلاب على مواقفهم والتباكي على القذافي، والحج إلى دمشق، ومبايعة من أوغل في قتل شعبه والتنكيل به .
إن المشروع الإسلامي كمشروع إنقاذ للأمة في الدنيا والآخرة، مشروع تنخرط فيه شرائح عديدة في المجتمع، فمنهم الغني والفقير، والعالم والمتعلم والمثقف والعامل، وليس حكراً على البسطاء ، حتى أن بعض المواطنين من غير المسلمين انخرطوا في بعض هذه المشاريع كما هو في حزب الحرية والعدالة في مصر، وكما جاء على لسان فارس الخوري في سوريا وايميل الغوري في فلسطين . وحملة هذا المشروع ليسوا أعداءً لانجازات العصر العلمية والثقافية، لكنهم أتباع مدرسة يقول نبيها عليه الصلاة والسلام ” الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهوا أحق بها وأهلها “، وليسوا منغلقين، فهم امتداد لسلفهم الذين استوعبوا حضارات الروم والفرس، وعلوم الهند والصين ومصر القديمة، فأصبحت جزءاً من معارفهم وعلومهم، وحملوها إلى العالم الخارجي، الذي اقتات عليها قروناً عديدة، وهم لا يجمدون عند القرن السادس الميلادي، ولكنهم أمّة التجديد التي يقول نبيها عليه الصلاة والسلام : ” يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد للأمة أمر دينها”. وهم لا يعرفون صراع الأجيال، ولا يخوضون معارك القديم والجديد، فليس كل قديم كاسداً وليس كل حديث نافعاً، فهم كالنحلة التي تطوف في الرياض الغناء، فترشف كل ما هو طيب، لتصنع من ذلك عسلاً فيه شفاء للناس .
لقد أفلح الكاتب حين اعترف ( بالتباين الواضح في موقف أمريكا من الطروحات السياسية للحركات الإسلامية وبرنامجها الاجتماعي ) ولكنه اعتسف حين جعل من هذا التباين مدخلاً لصفقة جديدة ممكنة، ونسي أن المنهج الإسلامي ليس انتقائياً يلبي الرغائب، فهو دين لا يقبل التجزئة وأنصاف الحلول، فقد أنكر الله تعالى على الذين يأخذون ويدعون وفقاً لأهوائهم ونزواتهم، حيث يقول : (( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا … )) .
فهل يتخلى الإسلاميون عن برنامجهم السياسي النقيض الحقيقي للمشروع الصهيوني الأمريكي استجابة للمطالب الأمريكية، لقاء سماح أمريكا لهم ببرنامجهم الاجتماعي، الذي يتناقض مع القيم الأمريكية والمصالح الأمريكية ؟ وهل باتت الإدارة الأمريكية المهزومة في العراق وأفغانستان والمحافل الدولية، والغارقة في أزماتها الاقتصادية والمالية والأخلاقية هي الآمر الناهي في هذا العالم ؟ إن الذي يقبل بصفقات مع أمريكا أو غيرها هو أحد اثنين : سياسي طامع في الوصول إلى السلطة لم تؤهله إمكاناته من بلوغها، أو ضابط مغامر لا يقيم وزناً للقيم ولا للمصالح العليا للأمّة . أما الذي يتتلمذ على منهاج النبوة القائل جواباً لأبي ذر على فضله يوم طلب ولاية : ” إنك امرؤ ضعيف وإنها لأمانة وإنها يوم القيامة لخزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه “ فلا يكون طرفاً في هذه الصفقات، إلا صفقة مع الله، تنجيه من عذاب أليم (( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن )).
وأعجب من ذلك أن يربط بين صفقة لا يقوم عليها دليل، وبين تحالف لا يؤيده الواقع بين الحركات الإسلامية والإدارة الأمريكية إبان فترة الحرب الباردة . صحيح أن الحركات الإسلامية تصدت لفكرة الإلحاد التي قام عليها الاتحاد السوفييتي، والدول الشيوعية، لأنها تصادم عقيدتهم، وتناقض الفطرة المجبولة على الإيمان بالله، وأن المجاهدين العرب لبوا نداء الجهاد إلى جانب إخوانهم الأفغان في مواجهة الغزو السوفييتي، ولكنهم في الوقت ذاته رأوا في الرأسمالية نظرية متوحشة، تستغل فيها الشعوب لصالح الدول والشركات الرأسمالية العملاقة، وتصدوا للغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان ولبنان والصومال، وحملوا الغزاة على الرحيل مذمومين مدحورين، وهم في الحالتين منطلقون من الإيمان بوحدة الأمّة، وفرضية التصدي للغزاة التي أوجبها الإسلام على كل قادر.
وثمة قضية لا نوافق الكاتب عليها مفادها أن الحركات الإسلامية تريد فرض الوصاية السياسية والاجتماعية والدينية على الناس، وأنها غير ديموقراطية وغير مدنية ! ولتفنيد هذه التهمة نقول :
إن الإسلام دين الفطرة، وهو يعمل من داخل النفس الإنسانية، ويعتمد في منهجه سبيل الإقناع العقلي، والدعوة بالتي هي أحسن، ويرفض رفضاً قاطعاً إكراه الناس على عقائده (( لا إكراه في الدين )) وينكر على من يحاول إكراههم ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )) . فلم يعرف المسلمون في عهودهم الزاهرة محاكم التفتيش والتطهير العرقي التي شهدتها حضارات أخرى قديماً وحديثاً حين تحكمت الأهواء والغرائز بسلوكها، والإسلاميون يؤمنون بكرامة الإنسان وحريته، وحقه في المشاركة في الحياة من أوسع أبوابها، وربما يسرف بعض الإسلاميين في ديموقراطيتهم، حيث قدم الإسلاميون في أكثر من قطر نموذجاً متميزاً في تداول السلطة، حيث تعاقب على موقع الأمانة العامة في حزب جبهة العمل الإسلامي سبعة أمناء عامين في أقل من عشرين عاماً، ونص نظامه الداخلي على ألا ينتخب الأمين العام لأكثر من دورتين متتاليتين، وعلى الفصل بين السلطات .
إن الإسلاميين ديموقراطيون فيما بينهم ومع الآخرين أيضاً، فهم يمارسون تداول السلطة مع الأحزاب والقوى التي يأتلفون معها، ولهم في لجنة التنسيق الحزبي في أحزاب المعارضة الوطنية الأردنية ومؤتمر الأحزاب العربية وغيرهما شواهد على ذلك، ويؤمنون بالشراكة مع مختلف التيارات السياسية، والشواهد على ذلك كثيرة أيضاً، ولن تكون يد حركة النهضة في تونس الممدودة للأحزاب السياسية للمشاركة بعد فوزها الكاسح في الانتخابات الأخيرة آخر هذه الشواهد .
لقد قبل الإسلاميون الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وسلموا بنتائج الانتخابات والاستفتاءات، ولكن من يسمون المذعورين من الحركات الإسلامية هم الذين يسعون للتحالف مع العسكر للالتفاف على إرادة الشعب، وتأخير إجراء الانتخابات، مخافة أن تصب النتائج في مصلحة الإسلاميين .
ويعجب المرء حين تتوالى الاتهامات للإسلاميين، من أنهم وبدافع حرصهم على السلطة سيشطرون الشعب والأمّة خدمة للمشروع الأمريكي . إن الإسلاميين وحدويون، لأن الوحدة فرض، والفرقة فشل وذهاب ريح، وهم يريدونها على مستوى الأمّة، وفي ظلال الإسلام، توحدت الأمة بكل مذاهبها وأعراقها وأقطارها، إلى أن أقصي الإسلام عن منصة الحكم وعن مراكز التوجيه، فحلت الأنظمة القطرية محل الأمّة الواحدة، وأصبح تكريسها وطنية يحرص عليها بينما كانت في ظل التصور الإسلامي والمشروع الإسلامي، جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر .
وأعجب أيما عجب حين يقال أن المواطنين اليوم في ظل الربيع العربي بين مخافتين : مخافة إحلال أنظمة إسلامية محل الأنظمة الدكتاتورية العسكرية، ومخافة الفوضى، فهل الأنظمة الإسلامية التي يختارها الشعب، ويشارك في بنائها، وينعم بخيراتها، تساوي الفوضى ؟ وهل أسلمة المجتمع حين تتم بالرضى والاختيار الحر كارثة على الأمة ؟ .
إن من حق كل القوى والأحزاب والحركات جميعاً أن تتقدم ببرامجها، وأن تطلب الثقة عليها، وأن تسعى لتنفيذ هذه البرامج بطرائق سلمية وسليمة، ومن حق الشعوب أن تختار، وأن تحاسب من تختار، والبقاء للأصلح .
أما أن يشهر الفيتو في وجه المشروع الإسلامي لا لشيء إلا لأنه إسلامي، ومجرب وغير مستورد، فهو التعصب والعناد، ومصادرة حق الشعوب، وهو أمر تأباه مبادئ الشورى والديموقراطية، وتعافه النفوس الأبية .
والله أسأل أن يكون الحق رائدنا، والموضوعية سبيلنا للحكم على الأشخاص والهيئات والمشاريع والبرامج .




