حتى لا يحتاج الإصلاح إلى إصلاح ؟..حمزة منصور

تطالعنا بعض وسائل الإعلام بتسريبات منسوبة الى أعضاء في لجنة مراجعة الدستور، تبشر بتعديلات دستورية...

تطالعنا بعض وسائل الإعلام بتسريبات منسوبة الى أعضاء في لجنة مراجعة الدستور، تبشر بتعديلات دستورية هامة، وتؤسس لمرحلة جديدة، تعزز الحياة النيابية ، وتفعل المادة ( 24 ) من الدستور، القائلة ( الأمّة مصدر السلطات ) وتشير هذه التسريبات وسمّها إن شئت مجسات الرأي العام الى بعض التعديلات، كالعودة الى دستور عام 52 قبل أن يعتريه التشويه، وإنشاء محكمة دستورية، ومحاكمة الوزراء أمام هيئة قضائية، وإطالة عمر الدورة النيابية، والربط بين حل مجلس النواب وإقالة الحكومة، وضبط عملية إصدار القوانين المؤقتة . 

 هذه التعديلات إن صحت – على أهميتها – تفقد قيمتها إن بقيت المادة ( 35 ) من الدستور على حالها التي تنص على أن ( الملك يعين رئيس الوزراء ويقيله، ويقبل استقالته، ويعين الوزراء، ويقيلهم، ويقبل استقالتهم، بناء على تنسيب رئيس الوزراء ) .

فغياب الأسس الديموقراطية لتشكيل الحكومات وإقالتها مسؤول الى حد كبير عمّا آلت إليه الأوضاع في بلدنا، فضلاً عن أنه ينسف المادة ( 24 ) من أساسها، ويصبح النص على أن الأمّة مصدر السلطات جملة زائدة، فالشعب الذي لا يحدد حكومته، ولا يمنحها ثقته، ولا يحاسبها، يفصله عن الديموقراطية مسافات شاسعة،  يحتاج تجاوزها جهوداً مضنية وموحدة ومتواصلة . والحكومة التي لا يفرزها ممثلو الشعب تبقى تختبئ تحت عباءة الملك وتتذرع بأوامر عليا، وتوجيهات من فوق، وهنا يكمن الفساد .
إن الشعب الأردني بما يمتلك من نضج ووعي ومسؤولية  قادر على أن يسمي حكومته، وفقاً لقاعدة الأغلبية النيابية، شريطة أن يفرزها قانون يعتمد المعايير الديموقراطية العالمية، وانتخابات حرة ونزيهة، تديرها هيئة وطنية مستقلة عن السلطة التنفيذية، يشكلها المجلس القضائي، من قضاة سابقين، وممثلي مؤسسات المجتمع المدني المنتخبين، وينحصر الطعن في صحة عضوية مجلس النواب بالقضاء المستقل تماماً عن السلطة التنفيذية، وعندها فقط يصبح الشعب مصدر السلطات .
إن تعديل هذه المادة، بما يحصر تشكيل الحكومة بالأغلبية النيابية ليس مصلحة فئوية، ولكنه مصلحة وطنية عليا، ولاسيما في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الوطن العربي، والتي ترتب عليها في بعض الأقطار كلف باهظة، نسأل الله أن يعافينا منها، وأن يحفظ على أشقائنا دماءهم وأعراضهم ووحدتهم ومقدّراتهم .
وإذا كانت اللجنة الموقرة، والمكلفة بمهمة مراجعة الدستور قد تجاوزت هذه المادة لاعتبار ما، ولم يعد بمقدورها إعادة النظر فيها، فإنه يؤمل من جلالة الملك قبل أن يعلن تبنيه لتوصياتها أن يستدرك ما لم تدركه اللجنة المكلفة، مستذكرين عبارته الشهيرة في سياق تصريح أدلى به مؤخراً، والتي جاء فيها ( إنني أنتظر هذه اللحظة التاريخية منذ عشر سنوات، وصولاً الى ديموقراطية حقيقية على غرار الديموقراطيات العريقة ) .
Print Friendly