القوائم السوداء..رحيل الغرايبة

نحن نعيش مرحلة (الشعوب)، الشعوب هي صاحبة الكلمة، وهي صاحبة السلطة وهي صاحبة القرار، وهي التي تتحمل مسؤولية إدارة الدولة وتتحمل مسؤولية إدارة الشؤون العامة، فهي التي تختار الحاكم وهي التي تراقبه وتحاسبه وتعزله، هذه قاعدة بدهية، أصبحت من ركائز الحياة المعاصرة، ليست بحاجة إلى نقاش أو حوار أو طويل جدال إلاّ مع الذين أدمنوا الجدال حتى في البديهيات.
عندما تقول الشعوب كلمتها، على كل فرد مهما علا شأنه، ومهما كثر ماله أو عزّ جاهه، أن يستمع ويلتزم، وعلى كل حزب أو تجمع مهما كبر عدده، وانتشر صيته أن يصغي جيداً ويخضع لكلمته الشعب، خاصة عندما تكون الكلمة حاسمة وجازمة وقائمة على حقيقة ناصعة لا تحتمل الخلاف.
فالشعوب العربية تريد الحريّة، وتريد الكرامة، وتريد إطلاق الإرادة ومفارقة عهود الظلام والإقطاع، وعهود الفراعنة، وعهود الاستبداد، وعهود التجبر والتأله والقمع والكبت وقول «ما علمت لكم من إلهٍ غيري»، وتريد استعادة السلطة والقدرة على الاختيار والتمكين من المحاسبة، والمراقبة لكل من يملك السلطة وصلاحية التصرف.
تريد الشعوب أن تمتلك القدرة على حفظ المال العام وصيانة خزينة الدولة، وأراضي الأمّة، وتريد أن تعرف عن كل (قرش) كيف أتى وكيف ذهب، وأين استقر، وتريد كذلك تحقيق العدالة والمساواة أمام القانون، ووضع حد للعبث واللعب والضحك على ذقون العامة.
هذا الوقت ينقسم الناس فيه إلى فريقين، فريق «الشعوب» وما فيها من قوى سياسية وحزبية وفعاليات نقابية واجتماعية ومؤسسات مجتمع مدني وشخصيات وطنية وعشائر وأدباء ومثقفين وسياسيين، ويقابل هذا الفريق فريق مقابل مكون من الذين استبدوا بالسلطة واستولوا على الحكم في غفلة من الجماهير، ومعهم المعاونون والنخب المستفيدة وأجهزة أمنية وغير أمنية، وينضم لهذا الفريق عدد من الجبناء والخائفين والمنافقين والفاسدين والمتزلفين والجهلة وبعض الغافلين الذين لا يعلمون الحقائق ولم يدركوا البديهيات التي أدركتها كل شعوب العالم، وصيّادوا المكافآت.
والفكرة الرئيسية التي تحتاج إلى مدارسة ونقاش وتنفيذ، أن تنبري لجان شعبية ترقب ثورات الشعوب، وترصد أعداء الشعوب، وتضع قوائم للتاريخ بأسماء الهيئات والشخصيات والتجمعات والقوى التي وقفت ضد إرادة شعوبها لحظة المطالبة بالتحرر وإطلاق الإرادة وإصلاح الأوضاع الفاسدة، والانطلاق نحو الديمقراطية والحريّة واستعادة السلطة والحقوق المسلوبة والأموال المنهوبة.
ولذلك لينظر كل واحد منا، أين يضع اسمه، وأن يكون في لحظة المواجهة، وما هو السجل التاريخي الذي يريد أن يحظى فيه بمكان، وتتداوله الأجيال في الأزمات القادمة.
فليس من الحكمة ولا من الذكاء ولا من بعد النظر، ولا من الفراسة ولا من مقتضيات الرجولة أن يعلن الإنسان موقفه بعد سقوط الطاغية وزوال حكمه وانهيار أركانه وذهاب ماله، وانفضاض الناس من حوله، وفقدان الجاه والعز والأمر والنهي، أن يأتي الآن ويمارس الرجولة والجرأة، ويقفز من فريق إلى فريق، ومن تحالف إلى تحالف، ومن سجل إلى سجل ويتسربل بلباس الإصلاح بعد شروق شمس الإصلاح واختفاء فلول الظلام.
الرجولة والشجاعة تقتضي أن تحدد موقفك منذ اللحظة الأولى، وتثبت على موقفك وتدفع ضريبة هذا الموقف مع الدافعين، وتتحمّل عبء الإصلاح والتغيير، وأن تتحمل قسطاً من التضحية في سبيل تغيير هذا الواقع الآسن، وأن تتحمّل النتيجة كيف هي كائنة.
فالسجلات مفتوحة، وترصد المواقف والكلمات ولا يظنن أحد أنّ الفوضى والغفلة كفيلة بعدم تمييز المواقف، فالتاريخ لا يرحم ولا يجامل ولا يداهن، فالقوائم السوداء مشرعة أبوابها، والأقلام مسنونة، لا ترهبها البلطجة ولا تخدعها المواقف المتذاكية، ولا تتغير الحقيقة بالتلاعب بالعبارات وتدبيج الأكاذيب ونسخ الروايات الخادعة والمضللة، فالحقيقة واضحة بيّنة قويّة شفافة، أقوى دلالةً وظهوراً من الشمس في رابعة النهار، وأخيراً فهي لا تقبل الأعذار والتبريرات.
rohileghrb@yahoo.com هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته

Print Friendly