هذه المقالة كانت مداخلة أعدت لندوة ( النهوض الثوري والتبدلات الجارية في العالم العربي )، دعت اليها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الاردني على هامش احتفالها بالذكرى الستين لتأسيس الحزب، حالت ظروف خارجة عن إرادتي دون الوصول الى مكان انعقاد الندوة لتقديمها .
لئن فوجئ البعض بحالة النهوض التي يشهدها الوطن العربي فإني لم أفاجأ، بل المفاجأة أن يتأخر هذا التحول كل هذا الوقت، فالأمم – والعرب ليس استثناء منها – تعتريها حالات ضعف وقوة، وهبوط وصعود، وخذلان وعنفوان . وهذا ما أكدته حقائق الايمان والتاريخ والواقع المعاش، فقد سطعت شمس الحضارة العربية الاسلامية على الكرة الأرضية قروناً طوالا، وقدم أسلافنا نموذجاً مزيداً للتراث الانساني علماً وعدلاً ورحمة وسلاماً وحضارة، ثم اعتراهم الضعف الذي يعتري الأمم، حين تسمح لعوامل الضعف والتفكك والانحطاط أن تغزو جسدها . فكان الغزو الصليبي والمغولي والاستعمار الأوروبي، ورحل الجميع، وأحياناً في فترات سريعة جداً، فلم يفصل بين سقوط بغداد على يد المغول عام 656هـ ومعركة عين جالوت الفاصلة الا سنتان، رجع المحتلون بعدها يحملون قيم الأمة ونظمها ويشيدون بها حضارة . كما اندحر الفرنجة عن بلاد الشام ومصر يحملون معهم بذور النهضة الأوروبية .
وإن كان ثمة مفاجأة في ربيع العرب فهي في ترتيب الأقطار على سلم الأولويات في التغيير ، وسرعة الحسم في بعضها، فما كان أحد يتوقع أن تبدأ صافرة التغيير من تونس، أو أن يحسم الصراع مع نظام مبارك بهذه السرعة .
ولن يقف الأمر عند تحولات جزئية قطرية، فالتحول الشامل قادم، واستعادة الأمة دورها الحضاري آت، وهذه بالنسبة الينا حقائق دينية وتاريخية وواقعية فضلاً عن أنها سنة كونية، والمجال لا يتسع لمزيد من الاستشهادات من النصوص الشرعية والوقائع والأحداث قديماً وحديثاً .
وعوداً الى العنوان الذي اختير لهذه الندوة ( النهوض الثوري والتبدلات الجارية في العالم العربي) . وكنت أفضل لو استعملنا كلمة التحولات، حتى لا توحي بأن التغيير هو تبديل وجوه وعناوين وبزات، على طريقة الانقلابات العربية، التي لم تمس جوهر الحياة، وإنما استبدلت حكم العسكر بحكم السلالات الحاكمة، فهو تبديل فساد بفساد، واستبداد باستبداد، بينما التحولات المرجوة اليوم تنصرف الى المناهج وأصول الحكم . وعوداً الى العنوان الذي أشرت اليه أقول : لقد تميزت هذه الثورات، أو سمّها ثورة إن شئت، فهي في وطن واحد، بشعب واحد، لهدف واحد، وجدت صداها في كل قطر من أقطار الوطن الواحد . ولا أدري لماذا تم تحاشي مصطلح الثورة وإن كان يروق لي لفظ نهوض . أقول تميزت هذه الثورات بمزايا عديدة منها :
- إنها ثورات شعبية، لم تعتمد اسلوب الانقلابات العسكرية، التي تجرعت الأمة منها الصاب والعلقم، ولم يعد لها في السفارات الأجنبية، وإنما كانت قراراً وطنياً شعبياً انخرطت فيه جماهير الأمة بكل تياراتها واتجاهاتها وهذه ميزة تحسب لها .
- إنها ثورات سلمية، نأت بنفسها عن استخدام القوة، إلا في حالة واحدة، حين أسرف النظام المتداعي في ليبيا في استخدام القوة، وانحازت بعض كتائب الجيش الى الثورة، فكان لا بد من الدفاع عن الثورة في مواجهة الآلة العسكرية الفتاكة .
- إنها ثورات واعية، حددت أهدافها بوضوح، وركزت على شعار جامع ( الشعب يريد إسقاط النظام ) وهذا جنبها التناقضات والصراعات بين مكوناتها .
- إنها فاجأت الدول الغربية التي لن ترتح اليها ابتداء، وحين أدركت هذه الدول أن التغيير محقق عمدت الى مجاملتها، لتحقيق بعض المصالح .
- كشفتا عن ضعف في بنية النظام الرسمي العربي، الذي انهار في فترات قياسية، على الرغم من سطوة النظام الأمني، وهيمنته على مقدرات الوطن .
- كشفت عن حجم الفساد الذي كرسته الأنظمة الحاكمة مالياً وادارياً وأخلاقياً، ما يؤكد أن فقر العرب نابع من فساد الأنظمة وليس من نقص في الموارد .
وأخيراً وإن حققت الثورات العربية أهدافها في اسقاط النظام والزج ببعض رموزه الى القضاء، فإن المرحلة القادمة هي الأصعب، أو ما يمكن أن نسميه الجهاد الأكبر . والتحدي الكبير أمام الثورات التي أسقطت أنظمة الفساد والاستبداد والتبعية تكمن في الحفاظ على وحدتها، وعدم الانجرار الى صراعات فئوية أو مصلحية، وأن تحتكم الى قواعد الديموقراطية، وأن تبقى عيونها مفتوحة على فلول النظام السابق، والقوى الخارجية، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية، التي تبحث عن ثغرة للتسلل منها .
بقيت إشارة لا بد منها ولاسيما في بلد مثل بلدنا، الذي تعقد فيه الندوة، انه ليس بالضرورة استنساخ التجارب ذاتها، وإن كانت الإفادة منها بالغة الأهمية، فإن فاء نظام ما الى رشده، وأصاخ السمع لدعاة الإصلاح، وارتضى الاحتكام الى الشعب، وقبل بتغيير بنية النظام، بما يحقق سيادة الشعب، ويضمن له أن يكون مصدر السلطات، فعندها يمكن أن يحقق النهوض والتحول بسلاسة ويسر، شريطة أن تتوفر للنظام الإرادة السياسية للإصلاح .




