كلمة منصور في الاجتماع الثاني لمجلس الشورى السابع

الحمد لله رب العالمين، حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ويستمطر رحمته وتأييده وغفرانه. والصلاة […]

الحمد لله رب العالمين، حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ويستمطر رحمته وتأييده وغفرانه.

والصلاة والسلام على النبي المسدد بالوحي، المربى على عين الله ليكون قدوة للعاملين والمصلحين .

وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، أيها الإخوة والأخوات

الأخ المكرم رئيس مجلس الشورى   حفظه الله

الإخوة والأخوات أعضاء مجلس الشورى أكرمهم الله

ما كنت أرغب في الحديث في هذا الاجتماع، مؤثراً الاستماع، لولا أن إرادة الاخوة في مكتب مجلس الشورى والمكتب التنفيذي المنتهية ولايته انعقدت على أن ألقي كلمة، لجهاد أهلنا في غزة فيها الحظ الأوفر.

أيها الإخوة والأخوات

حين يقارب عدد الشهداء الألفين، وعدد الجرحى والمصابين العشرة آلاف، تدمر أحياء بكاملها فتسوى بالأرض، ويهجر سكانها الى المجهول، وحين تصبح المساجد والمدارس والمشافي والمراكز الصحية أهدافاً عسكرية، عندها يصبح الحديث في أي موضوع خارج موضوع غزة والعدوان عليها نوعاً من الترف .

أيها الإخوة والأخوات

على مدى شهر من الزمان، والعدو يلقي بحممه وقذائفه الصاروخية والمدفعية من الجو والبر والبحر، ويعلن التعبئة العامة، ويستدعي قوات الاحتياط، ويدفع بقرابة ثمانين ألف جندي الى قطاع غزة، معلناً في كل يوم أهدافاً جديدة، حيرت المتابعين، حتى أسماها بعض المحللين أهدافاً عمياء، وما أخالها كذلك، فان الأهداف غير المعلنة، وبتواطؤ عربي ودولي أشد خطورة، فقد أعلن العدو في بداية العدوان أن هدفه تحقيق الأمن للمغتصبات في غلاف غزة، ثم لم يلبث أن ذكر أن هدفه إسكات الصواريخ التي ترد بها المقاومة على الاعتداءات المتكررة، ثم أعلن عن نزع سلاح المقاومة وتدمير الأنفاق .

إن هذه الأهداف المعلنة ليست إلا أهدافاً فرعية لهدف كبير، تبلور بعد اغتيال الربيع العربي بالقضاء على المشروع الإسلامي. ولما كانت المقاومة تمثل أبرز وأهم عناوين المشروع، فقد بات القضاء المبرم عليها أولوية لا تحتمل التأجيل، وضرورة ملحة للكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية ودول ما يسمى الاعتدال العربي. لذا لا نستغرب أن يبدأ العدوان بعيد مغادرة مدير المخابرات المصرية تل أبيب، وأن يتم العدوان وسط إعلام مصري رسمي حاقد، وأن يمارس العدو أبشع أشكال النازية، في ظل صمت عربي رسمي مريب، ولكن هل حقق العدو الصهيوني وحلفاؤه أهدافهم المعلنة منها والخفية ؟

نحمدك يا رب، فأنت من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، فأنت خير حافظاً ومعيناً لمن اعتمد عليك، وأخذ بأسباب النصر، فقد تكشف الكثير من آياتك وآلائك على أهلنا في غزة، وما خفي منها أعظم، ولنا فيها خير عظة وعبرة. والشكر لكم موصول يا إخوتنا في حماس، قيادة سياسية وعسكرية ومجاهدين مبدعين، فقد أربكتم العدو، وأفسدتم عليه خططه، وأدهشتم العالم بإبداعات أجراها الله على أيديكم. فقد فاجأتم العدو بتطوير صواريخكم التي طالما وصفت بالعبثية، ولكنها بلغت ما لم تبلغه الصواريخ العربية، التي ظلت حبيسة في مخازن السلام، وألجأتم خمسة ملايين صهيوني الى العيش في الملاجيء، وفرضتم حصاراً جوياً على المطارات، فأوقفت كثير من شركات الطيران رحلاتها. وفاجأتموه في البحر وأنتم تتصدون لعدوانه، وتحققون أهدافاً في مغتصباته الساحلية، وفاجأتموه بطائرات بدون طيار متعددة الأغراض، وببنادق قنص متقدمة، ولكن المفاجأة الكبرى كانت في المنازلة البرية، وفي إحداث اختراقات لقوات العدو، والاشتباك معه من مسافة صفر، وإلحاق خسائر فادحة ما زال يتكتم عليها، ويفرض حصاراً شديداً عليها، ولكن أقل التقديرات تؤكد أنها تفوق خسائره في لبنان بأربعة أضعاف، وخسائره في حروبه السابقة في قطاع غزة بثلاثة أضعاف. وكما أبدع القساميون في التدريب، وتطوير السلاح، وإحكام الخطط، والإقدام والاقتحام، فقد أبدعوا في الميدانين السياسي والإعلامي، فقد كان الأداء فيهما متميزاً، يعبر عن ثقة بالنفس، ورباطة جأش، ومصداقية عالية، وانسجام تام بين الأداءات كلها السياسية والعسكرية والإعلامية .

ولم يكن صمود الشعب الفلسطيني في غزة، والالتفاف حول المقاومة بأقل من دور المقاومة بل كان مربكاً للعدو كذلك، الذي ظن أن حرب الإبادة ضد الشعب الأعزل، والقتل الممنهج، سيحمل الشعب على الانفضاض عن المقاومة، والانقلاب عليها، وفتح الطريق أمام المستسلمين والطامعين في السلطة، لإحكام سيطرتهم على غزة، لتصبح الطريق سالكة لتصفية القضية الفلسطينية، وفق مخططات العدو. لكن الصبر الجميل، والصمود الرائع، والالتفاف حول المقاومة، أربك مخططات العدو، وما كان لهذا السلوك المتميز أن يتحقق لولا التربية الإيمانية التي تحققت ولاسيما خلال السنوات الثماني الماضية، وربط المواطنين بكتاب الله، الذي برعت فيه حماس، والقدوة الحسنة، والإيثار العجيب، اللذين تميزت بهما القيادتان السياسية والعسكرية، فكانت النتائج، وبإجماع المحللين السياسيين والعسكريين نصراً لحماس وللمقاومة وللقضية المقدسة .

ولعل من أبرز نتائجها أن القضية الفلسطينية عادت لتتصدر المشهد من جديد، بعد أن غيبت لسنوات، لأسباب لا يتسع المجال لذكرها، وأنها عززت اللحمة الوطنية الفلسطينية، فلأول مرة يتحدث الوفد الفلسطيني في القاهرة على اختلاف رؤى أعضائه السياسية بلغة واحدة، ويتمسك المقاومون والأسرى وأهالي الشهداء بمطالب واضحة ومحددة، يتصدرها إنهاء الحصار، والتواصل بين الضفة والقطاع، وإطلاق سراح الأسرى. وكان من ثمار هذه التضحيات العظيمة بعث انتفاضة جديدة في القدس والضفة والداخل الفلسطيني، والالتحام المباشر مع العدو. ولم تقتصر نتائج معركة العصف المأكول على فلسطين، وإنما أحيت الشارع العربي من جديد، بشرت بعودة الربيع العربي، وأكسبت القضية الفلسطينية تعاطفاً شعبياً عارماً في مختلف القارات، وتحولاً في السياسات الرسمية في العديد من الدول ولاسيما في أمريكا اللاتينية، فرحم الله الشهداء، وأنجز لهم ما وعدهم، ونضر الله وجوه المجاهدين، الذين رفعوا رؤوسنا، وأحيوا الأمل في نفوسنا .

أيها الإخوة والأخوات

لئن كانت نتائج الحرب على غزة، التي أسماها العدو الجرف الصامد، وأسماها المجاهدون العصف المأكول، نعمة وبركة على حماس وغزة وفلسطين والأمة، فقد كشفت عن حقائق طالما غابت أو غيبت، فلقد كشفت هشاشة جيش العدو رغم السلاح المتطور الذي يمتلكه، كما كشفت جبنه وخوره الذي هو حقيقة قرآنية وتاريخية، وحولها القساميون حقيقة ماثلة للعيان، كما كشفت عن نفسية صهيونية حاقدة، لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة، فحين فشل العدو في تحقيق أهدافه العسكرية عمد الى القتل والتدمير الممنهج، الذي عراه تماماً، وجعله عرضة للمساءلة أمام المحاكم الدولية .

كما كشفت عن التناقضات داخل الكيان الصهيوني بين التيارات السياسية، وبين العسكري والسياسي، فالحديث اليوم عن الفشل، وتوزيع الاتهامات، ومحاكمة المسؤولين عن الفشل، تهيمن على الرأي العام في فلسطين المحتلة .

أيها الاخوة والأخوات

حق لمعركة العصف المأكول، التي أكرم الله بها المجاهدين الصائمين القائمين المتبتلين أن تسمى الفاضحة، فهي لم تكشف الواقع الصهيوني فقط، ولا الانحياز الأمريكي والأوروبي الأعمى للعدو الصهيوني، خلافاً لكل ادعاءاتهم بالحرية والكرامة الإنسانية، والحقوق المدنية، وإنما كشفت النظام الرسمي العربي، الذي بانت سوءاته، وظهر على حقيقته المعادية للأمة، ولاسيما للحركة الإسلامية التي باتت أمل الأمة في نهضة تعيد لها مجدها  وتصنع غدها المشرق، وظهرت الفجوة واسعة وعميقة بين الشعوب والأنظمة، وأضافت سبباً جديداً للإصلاح، ودافعاً قوياً لمضاعفة الجهود، حتى يصبح الشعب بحق مصدر السلطات، وصاحب القرار، وعندها يتوحد الرسمي والشعبي حول قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة .

أيها الإخوة والأخوات

لئن كان الموقف الرسمي الأردني قاصراً عن التفاعل مع العدوان بالقدر الذي تمليه التحديات، وعاجزاً عن تمثيل الإرادة الشعبية الأردنية، ومقتصراً على الإدانة في بعض المناسبات، ومتساوقاً مع الموقف الدولي الذي تهيمن عليه الإدارة الأمريكية، ومكتفياً بالدور الطبي والاغاثي الذي لا نقلل من قيمته، إلا أن الموقف الشعبي الأردني كان وما زال متميزاً، فقد عمت المسيرات والمهرجانات أرجاء الوطن، وبمستوى غير مسبوق في بعض الأحايين، وبخطاب ذي سقوف مرتفعة، والمطالبة بقطع العلاقات مع العدو، ولاستعداد للبذل، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الأردنيون، وهي حالة ينبغي استثمارها والبناء عليها.

ولا يفوتني الإشارة الى أن دور الحركة الإسلامية كان بارزاً في هذه المرحلة، ولاسيما في بداية شهر شوال، ومع تحقيق المقاومة انتصارات في مختلف الميادين .

وقد كان موقف المكتب التنفيذي للحزب المنتهية ولايته حاضراً، وبقوة ووضوح خلال هذه المعركة، عبر البيانات والتصريحات والمشاركة في الفعاليات التي تقيمها الحركة الإسلامية، والقوى الوطنية على مستوى المركز والمحافظات .

أيها الإخوة والأخوات

إن معركة غزة لم تنته بشقيها العسكري والسياسي،  وأن الصراع مع العدو لن يتوقف حتى تحقيق وعد الله عز وجل { فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً } وبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فتقتلوهم } وهذا يحتم علينا أن نرتقي الى مستوى التحديات فهماً وسلوكاً وتفانياً، وأولى خطوات ذلك إصلاح ما بيننا وبين الله تعالى، لأن نصر الله عز وجل لا يتحقق إلا للمؤمنين حقاً { وكان حقاً علينا نصر المؤمنين } وتمتين الصف، وتحقيق الأخوة بشرائطها الشرعية { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص }، وأن نحدد الأولويات والأهداف ونقف وراءها بقوة، وأن نلتزم خطاباً راشداً يمثل عزة الإسلام وأدب المسلم، وأن نعزز الجسور مع الآخرين في وطننا وأمتنا على قاعدة ( نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ) ، وأن نتسلح بالمعلومة، ونستند الى التحليل الدقيق في مواقفنا، وهذا يحتم علينا تفعيل أدوات البحث العلمي، وأن نراجع مسيرة الإصلاح، فنعزز الايجابيات، وننحي السلبيات .

أيها الإخوة والأخوات

نحن أمام استحقاق استكمال الهياكل التنظيمية للحزب، بانتخاب المكتب التنفيذي، والهيئات القضائية، وآمل أن لا نذهب الى ذلك إلا في ظل توافق تام، تغلب فيه المصلحة العامة، إذ أن أسوأ رسالة توجه الى المقاومة وغزة وفلسطين، والى شعبنا الأردني، الذي ينظر إلينا بعين الأمل، أن نذهب إليها مختلفين، وأن نقدم دليلاً للذين يتربصون بنا ويتهموننا بالإقصاء .

أيها الإخوة والأخوات

لقد تابعنا عبر تسريبات، ومن خلال وسائل الإعلام، أخبار محاولات للتوافق، وسررنا لها، على الرغم من غياب المؤسسية فيها، حيث كان المكتب التنفيذي المنتهية ولايته غائباً أو مغيباً عنها، وهذا لا يضيرنا، فنحن نستعجل انتهاء مرحلة تسيير الأعمال، ليتسلم الأمانة إخوة وأخوات، يصدق فيهم قول ربنا تبارك وتعالى { يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين }. فالمكتب التنفيذي قيادة، والقيادة تحتاج الى تفرغ وتفريغ، لا أن تبقى جهود أعضائها مشتتة بين مجالات عدة في العمل الإسلامي، فلا يعطون للحزب إلا فضلات الوقت.

أيها الإخوة والأخوات

لقد عمل المكتب التنفيذي خلال أربع سنوات ونيف في أصعب الظروف، وأقل الإمكانيات، فليس بين أعضائه متفرغ، بسبب ضيق ذات اليد، وليس لديه جهاز فني لقلة عدد الموظفين. ولم يستطع توظيف خبراء وباحثين لصعوبة توفير الرواتب والمكافآت، ومع ذلك، واستشعاراً لمسؤوليته أمام الله عز وجل، فقد تفانى في العمل، على الرغم من استهدافه حزباً وأشخاصاً من الجهات الرسمية، التي لم تخف تحريضها واستعداء الناس عليهم. وكان في مقدمة اهتمامات المكتب التنفيذي الحفاظ على وحدة الصف، فقد ولد المكتب في أجواء لا تخفى عليكم، وقد عمل بانسجام كبير، وبفعالية عالية، وفق الإمكانات المتاحة، كما عمل على استدراك جوانب عديدة غابت عنا خلال السنوات الماضية، فقد عملت لجنة متخصصة، مستعينة بكل جهد خير،  على إعداد مناهج للتثقيف الحزبي، أسفرت حتى الآن عن طباعة ثلاثة كتب، ومثلها أو أكثر ما زال في المطبعة، وننتظر المزيد، وهو جهد نهيب بالمكتب التنفيذي الذي سيطلع بأمانة المسؤولية أن يواصله، كما قاد الحزب فريقاً اقتصادياً تمكن بفضل الله تعالى، ثم بتعاون جهات عديدة من المخلصين من إشهار إستراتيجية للنهوض بالاقتصاد الأردني، وهو جهد يحتاج الى مواصلة واستكمال.

 كما استطاع المكتب معالجة مشكلة مع الموظفين عمرها سنوات، بالتوصل الى تسوية معهم، وإلحاقهم بمؤسسة الضمان الاجتماعي، وأسهم في تعديلات على النظام الأساسي، وهي تحتاج الى استكمال .

كما حرص على التنسيق مع الجماعة، من خلال تطوير العلاقة، وإن كانت ما زالت بحاجة الى مراجعة، والى تفعيل ما تم الاتفاق عليه .

كما حافظ على الإبقاء على اللجنة التنفيذية العليا لحماية الوطن ومجابهة التطبيع، على الرغم مما أصاب العلاقة بين الحزب والأحزاب القومية واليسارية. واحتضن الحزب كذلك فريقاً سياسياً شكل عقلاً سياسياً للحركة الإسلامية، قدم الكثير من الرؤى والسياسات، وشكل عدداً من اللجان التي تنتظر مزيداً من التفعيل .

وكانت جميع الملفات الوطنية والفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية حاضرة في كل اجتماع، حيث التزم المكتب باجتماعين اسبوعياً، وكان التعامل مع المستجدات حاضراً باستمرار .

أيها الإخوة والأخوات

ليس مطلوباً مني ولا من المكتب التنفيذي تقديم تقرير سياسي أو إداري ولكنها أمانة المسؤولية، أملت علي أن أذكر بعض الأولويات وأن أبث بعض الشجون. والله أسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Print Friendly