كلمة الأمين العام في مؤتمر نحو إستراتيجية شاملة لمحاربة التطرف

ورقة الأخ الأمين العام الأستاذ محمد عواد الزيود في محور ” الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي” في مؤتمر […]

ورقة الأخ الأمين العام الأستاذ محمد عواد الزيود في محور ” الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي” في مؤتمر ” نحو إستراتيجية شاملة لمحاربة التطرف: فرص التوافق الوطني وتحدياته”، الذي عقده مركز القدس للدراسات السياسية يوم السبت الموافق 14 / 2 / 2015

 أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة والفضيلة   المحترمين

السيدات والسادة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد …

لا شك أن بلدنا اليوم يمر بمرحلة استثنائية وفيها شيء من الخطورة. فنحن نواجه تحديات داخلية سياسية وظروف اقتصادية في غاية السوء، وتهديد لمنظومة القيم والأخلاق حيث العنف المجتمعي بأنواعه، وتردي لأوضاع التعليم ومشاكل أخرى لا تخفى عليكم، بالإضافة إلى التهديدات الخارجية ولا حل لهذه الإشكاليات إلا بتضافر جميع الجهود الرسمية والشعبية والوقوف صفاً واحداً أمام هذه التحديات .

أقول وبكل أسف أننا اليوم أمام ( دعشنة علمانية ) أو أحادية سياسية بدل التعددية السياسية، تستغل الحرب على الإرهاب بإعلان حرب على الإسلام ذاته وعلى مبادئه السامية وثوابته، وعلى القيم المحافظة على مجتمعنا، وتسعى بكل قوة إلى إقصاء القوى السياسية واحتكار التمثيل والمشاركة لهؤلاء، وأعتقد أن هذا يعمل على تفتيت وحدة الوطن، وتوزيع الولاءات بصورة مزرية، وخلط للأوراق، وانتصار لمصالح خاصة بعيداً عن المصالح العليا للشعب الأردني الكريم .

إن التحديات التي تواجهنا لا يمكن حلها بمقالة صحفية، أو ندوة تلفزيونية، أو مؤتمر كهذا، أو ورشة عمل، ولكن من خلال إستراتيجية واضحة الأهداف والمعالم، معلومة الخطوات، تقوم على مبدأ الشراكة بين مكونات المجتمع بعيداً عن ظواهر الاستقطاب للبعض، واستبعاد الآخرين .

التطرف – أيها السيدات والسادة صناعة، وصناعة قذرة مرفوضة، وهو ناتج عن غياب العدالة وتفشي الظلم في المجتمعات وإغلاق باب المشاركة السياسية وغياب التوازن الدولي باتجاه قضايا المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

والعجيب أنه لما قامت ثورات الربيع العربي، غابت خطابات العنف والتطرف، ورجعت القهقرى، ولمّا قامت الثورات المضادة لثورات الشعوب العربية والمدعومة من دول تدعي احترام حقوق  الإنسان وخياراته الديموقراطية، عاد معها التطرف والغلو والعنف.

ليس صحيحاً أن تتحول الدولة الى سلطة تملك كل شيء من خلال جهاز أمني متظخم، يتدخل في تفاصيل ودقائق الحياة المجتمعية، لدرجة أنه يحل محل مؤسسات الدولة أو تفريغها من مضمونها لتصبح هذه المؤسسات مجوفة خالية من أي مضمون. ولذلك حصل هناك فجوة في الثقة بين هذه المؤسسات الرسمية سواء كانت سلطة تشريعية أو تنفيذية أو قضائية أو سلطة وأجهزة أمنية، وبين المواطنين، وتغييب مؤسسات المجتمع المدني والشخصيات المؤثرة في المجتمع قسراً، والتي يمكن أن تكون قناة تواصل وصلة للوصل مع مؤسسات الدولة .

ولذلك رجعت أدوات التعبير في المجتمع الى النمط البدائي، بمعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يأخذ حقوقه إلا من خلال استنهاض الهوية الفرعية .

وهذا الغياب للدولة ومؤسساتها ومؤسسات المجتمع المدني الذي نتج عنه غياب عملية سياسية حقيقية تنتج النخب بطريقة موثوقة للشعب الأردني، بحيث تجدد دماء وأجهزة الدولة بطريقة صحيحة، مما عزز منظومة الفساد الإداري والمالي، وجعل الثقة بمؤسسات الدولة في مهب الريح مما يجعلها هشة أمام أي أزمة حتى ولو كانت تتعلق بظروف جوية، أو أزمة لمواجهة التطرف والإرهاب .

إن البلد اليوم يحتاج الى التوحد وبناء جبهة داخلية قادرة على تجاوز الأزمات والتهديدات الداخلي منها والخارجي، وهذا يحتاج الى عملية سياسية يشترك فيها كل مكونات هذا الوطن. ولهذا فان الحكومة مدعوة أكثر من أي وقت مضى لمغادرة هواجسها والوقوف على مسافة واحدة من كل مكونات هذا الوطن، والى متى تبقى بعض المؤسسات في دائرة الاستهداف الحكومي؟

إننا نعتقد أن النظام السياسي هو الجهة الوحيدة القادرة والأقوى على تقديم مبادرة حقيقية تأخذ البلاد الى منحنى جديد وصورة وضاءة يشترك فيها جميع أبناءه ومن خلال قانون انتخاب جديد قادر على إفراز مجلس نيابي قوي، يمكن للأحزاب أن تمارس دوراً حقيقياً لا شكلياً على ساحة العمل السياسي، وتشارك في تحمل مسؤولياتها الوطنية، إذ لا تنمية بدون ديموقراطية، ولا ديموقراطية بدون أحزاب، ولا أحزاب بدون تداول للسلطة .

وكذلك فإن المطلوب رفع اليد عن مؤسسات المجتمع المدني، وإطلاق الحريات العامة، والحريات الصحفية، وبناء دولة المؤسسات القوية القادرة على تخطي هذه المرحلة بنجاح واقتدار .

ولا شك أننا جميعاً معنيون ببناء دولة القانون والمواطنة، والتي يجد فيها الإنسان نفسه ليزداد انتماءه إليها.

إن الأردن يقوم على الانتماء لعقيدة الأمة وتراثها الحضاري الذي أرسى دعائمه رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم، وان أي محاولة لسلخ المجتمع الأردني عن دينه وحضارته العربية والإسلامية لا تصنع إلا جيلاً ممسوخاً يعيش فصاماً نكداً ما بين ما تربى عليه في محاضن التربية والمجتمع والأسرة وبين من يحاولون تشويه صدقه والنيل من ثقافة المجتمع .

وهناك بعض الحلول التي نراها ومنها :

1- عقلنة الممارسات التي تقوم بها الدول تجاه شعوبها وتجاه التيارات السياسية فيها وعلى وجه الخصوص التيار الإسلامي، والذي يمثل ضمير الشعوب وروحها، وان استمرار الضغط على هذه الشعوب وكبت حرياتها وحرمانها من حقها في العيش بكرامة وانسانية لن يولّد إلاّ مزيداً من العنف والتطرف .

2-إعادة سكة الإصلاح لمسارها الصحيح في الدول العربية والأردن جزء منها، لأن غياب الإصلاح لا يولّد ألاّ اليأس والقنوط لدى شعوب المنطقة جميعاً مما يمكن الشعوب من ان تكون شريكة في صناعة القرار السياسي عبر تداول سلمي للسلطة والوصول إلى حكومات برلمانية .

3-محاربة الفساد الذي استشرى في العديد من المؤسسات العامة وحتى الخاصة في بلدنا ومحاكمة رموزه. الذين ساهموا في مسخ الصورة الحضارية لهذا البلد، وتطاولوا على حقوق الوطن والمواطنين، وهو الأمر الذي بات مشجعاً لكل فاسد أن يمارس ما يشاء من تصرفات في ظل غياب الرقابة والمحاسبة .

4-عدم الانجرار إلى مستنقع الحرب في سوريا والعراق تحت مظلة التحالف الدولي، وإغراق جيشنا العربي الأردني في حرب استنزاف ليست حربنا، وهو الجيش العربي الوحيد في المنطقة القوي بفضل الله تعالى، والعصي على التفكك والانقسام .

5-تعزيز روح الوحدة الوطنية ( حقيقة لا شعاراً ) فالخطر الداهم لن يميّز في آثاره بين شرقي وغربي وشمالي وجنوبي، وخصوصاً أننا في بلد متجانس سكانياً ولا توجد فيه لوثة الطائفية التي أصابت دولاً عربية مجاورة .

6-إعادة التوازن إلى المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، وعدم إقصاء العلماء والدعاة المؤثرين والقادرين على بناء الثقة في هذه المؤسسات لتكون قادرة على توجيه المجتمع بعيداً عن التطرف والغلو .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Print Friendly